ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 23
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
في كل صفة من الصفات الجمالية والجلالية لعموم الذات إياها ، فللجلال جمال هو جمال الذات ، والجمال صفة الذات وله جمال هو جمال الصفة . ومن أحبّ جمال الذات فعلامته أن تستوي عنده الصفات المقابلة من الضر والنفع حتى الحب والقلى والوصل والقطع ، وهذه المحبة ثابتة ثبوت الجبل لا يتطرق إليها الزوال . وجمال الصفات مقيّد موجود في بعضها وعلامة من يحبه أن يؤثرها شطرا من الصفات كالنفع والحب والوصل [ على أضدادها مطلقا ] ، لا باعتبار وصول آثارها إليه ، بل لأنها محبوبة عنده في الأصل . وجمال الأفعال أكثر تقيدا منه وعلامة من يحبه أن يؤثرها باعتبار وصول آثارها إليه ، وهذان المحبّان قد يتغير حبهما بتغيّر محبوبهما . وجمال الأفعال يسمى حسنا وملاحة وهو روح منفوخ منه في قالب التناسب . وحسن الصّور الروحانية ألذ وأشهى وأكثر تأثيرا وتخيّرا للمناسبة الخاصة بينه وبين المحل في الروحانية ، ولهذا كان حسن المسموعات أشد تأثيرا في قلوب أرباب الذوق من حسن المحسوسات الآخر لقرب صورة النغمة من الصور الروحانية ، وقلّما يسلم شاهد الحسن من الوقوع في الفتنة حيث يسلب عنه وصف الحب لغلبة وصف الطبيعة وثوران الشهوة بحكم من غلب سلب ومن عزّ بزّ ، ولا يسلم هذا الشهود إلا لآحاد وأفراد زكت نفوسهم وطهرت قلوبهم وانطفأت فيها نار الشهوة ، ولهذا حرّم النظر إلى الأجنبيات . فالحظ الأوفر من وجود الحب وشهود الجمال لمحب الذات ، والحظ الوافر لمحب الصفات ، والحظ القليل لمحب الأفعال . والمحبة والمحبوبة حبّتان عارضتان للمحبة وهي قائمة بذاتها ، واتصال المحبّ بالمحبوب لا يمكن إلا في عين المحبّة لأنهما ضدان لا يجتمعان لتقابلهما في الأوصاف ، فإن صفات المحبّ من الافتقار والعجز والذلة ، وغيرها أضداد صفات المحبوب من الاستغناء والقدرة والعزة وغيرها ، واجتماعهما في عين المحبة بأن لا يحب المحبّ إلا المحبة كما قال الجنيد : المحبة محبة المحبة ، وهكذا قال النووي لأن المحبة إذا صارت محبوبة وهي صفة ذاتية للمحب تحقق الوصول وارتفع التّضاد عن الجهتين بفناء المحب في المحبة المحبوبة ، ولذا قال المحققون : المحبّ والمحبوب شيء واحد ، وفي هذا المقام لا يكون المحبة حجابا لقيامها بذاتها عند فناء جهتي المحبوبية والمحبّية فيها . وما قيل إن المحبّة حجاب لاستلزامها الجهتين وإشعارها بالانفصال أريد به محبة غير محبوبة ، وبداية